الخطيئه الكبري الجزء الثالث والاخير

الخطيئة الكبرى
                              الجزء الثالث
                                 (الاخير) 

لم اراه غاضباً بهذا الشكل طوال فترة معرفتي به، الا انه هذه المرة كان مختلفاً كلياً كأنه شخص آخر لا اعرفه،
دفعني بضربة على صدري وادخلني واغلق الباب خلفه، 
امسك بي من شعري وقال، 
  - لقد اخلفت العهد الذي بينك وبيننا واغضبت السيد وملائكته، كل ما سيحصل لك بعد ذلك لا دخل لي به ولا استطيع ان اساعدك، بل بالاحرى، لا اريد ان اساعدك،
لم اتصور انك عديم الارادة لهذه الدرجة،

قال هذه الكلمات ورحل.... الغريب اني لم اتكلم معه كلمة واحدة او حتى اي تبرير لما حصل معي، لساني كان معقوداً، 

بدأت بعد ذلك رحلة العذاب والمعاناة، اصبحت اخاف وافزع من اي شيء واي صوت، اذا رن الهاتف او تكلم احد بصوت مرتفع قليلاً كنت احس بان قلبي سينفجر من الخوف،
اخاف ان انزل للشارع كي لا اسمع صوت ابواق السيارات فهي تفزعني جداً، 

حاولت ان اصلي او ان استمع للقرآن لكني لم اقدر، شيء اقوى مني يمنعني من ذلك، بل ان احدى المرات حاولت ان اجبر نفسي على الصلاة، 
اتعرفون ماذا حصل، 
تبولت على نفسي وعلى السجادة وانا واقف لا استطيع عمل شيء، لم اكن متحكماً في نفسي، 

ذهبت الى الساحر عدة مرات لكي اجد حلاً للطامة التي جلبتها لنفسي لكنه كان يطردني في كل مرة، 
بدأ وزني يتناقص تدريجياً، كل يوم من سيء الى اسوء، و لا ادري ما الحل، 

اصبحت اهيم في الشوارع في اوقات متأخرة لا اعرف ماذا افعل، احياناً كنت اجلس في اماكن مكب النفايات واحياناً اخرى كنت ابقى لساعات جالساً في الحمام، ولا اعلم السبب لكني كنت اشعر بالراحة قليلاً هناك،

احد الايام وانا في المصعد متجه لشقتي، وقبل ان اضغط على زر اغلاق الباب، مد يده في منتصف الباب ففتحت وصعد معي، رجل ملتحي لم اتعرف عليه في البداية، قال السلام عليكم، 
سلمت عليه وادرت ظهري له، ولا اعرف لم فعلت ذلك، 
فقال لي، 
  - انا جارك، الشيخ حمزة امام المسجد، الا تعرفني، نحن نسكن في نفس الطابق، 
  - كلا لا اعرفك، اعتذر، 
مع العلم ان اعرفه واعرف انه يسكن بجانبي، لكن لم تربطني به اي صلة، وكيف تربطني صلة بأمام مسجد وانا الزنديق الذي لا يتواني عن القيام بأي اثم وكبيرة، 

قال لي، 

  - هل لي ان اسألك سؤالاً لو سمحت، 
  - نعم
  - لماذا ومع من تتشاجر كل يوم في منتصف الليل، فأنا أعرف انك تسكن وحدك في الشقة ولم الاحظ وجود احد يزورك هذه الفترة، 
  - انا؟ انا اتشاجر؟ انت غلطان بكل تأكيد، 
  - نعم انت، كل ليلة اسمع صوت صراخك داخل الشقة، بل احيناً اسمعك تغني بصوت مرتفع جداً، لا احب ان اتدخل في شؤونك لكن الامر بدأ يصبح مزعجاً وانا جارك وحق الجار على الجار، 
  - اني انام مبكراً كل يوم ولا اتشاجر مع احد او اغني كما تقول، 
  - هل انت متأكد من ذلك، فالصوت يصدر من شقتك تحديداً، 
  - طبعاً متأكد، ربما تصدر هذه الاصوات من مكان آخر، 

توقف المصعد في طابقنا قبل ان ننهي هذا الحوار فخرجنا نحن الاثنين واتجه كل منا لشقته، لكنه قبل ان يدخل المفتاح في باب شقته التفت الي وقال، 
  - هل انت ملتزم بصلاتك هذه الفترة؟ 
  - هاااا.. ااااا... نعم تقريباً
  - انتبه الى نفسك وكن حذراً، 

دخل بعدها الى شقته، 
لا اعرف لماذا سألني هذا السؤال، ولماذا قال كن حذراً، لم اهتم كثيراً بصراحة، 
تلك الليلة كانت مرعبة للغاية، فقد حلمت بأني اسقط من السماء، وتحيط بي مجموعة كبيرة من الطيور الجارحة تطير حولي و بدأت تنهش جسمي بمخالبها ومناقيرها، وانا اسمع منادياً ينادي، 
"وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" 
وانا على هذا الحال حتى سقطت على الارض واقسم اني في حلمي هذا سمعت صوت كل عظامي تتكسر، 
استيقظت وانا في فراشي واشعر بألم فضيع في كل جسمي كأن ما رأيته في منامي حقيقة، 
صرت ادرك الآن جيداً هذه الاشارات و ان ما فعلته كان ذنباً عظيماً، فما قمت به هو الشرك بالله، ولا مفر من عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة،
اخبرتكم قبلاً ان الفضول هو الخطيئة الكبرى واليكم السبب، فلولا فضولي لما كنت اشركت بالله، لو انني لم اكن فضولياُ لما وصلت الى ما انا عليه الآن، 
اريد ان اتوب لكني لا اقدر، هنالك شيء اقوى مني يمنعني من ذلك،
واحياناً اعتقد ان الله قد اغلق ابواب التوبة في وجهي وهذا مناقض لكونه التواب، 

في اليوم التالي كنت اقف على باب شقة جاري الشيخ حمزة،
استغرب هو عندما رآني واقفا على بابه، 
  - كيف حالك ايها الشيخ
  - اهلا وسهلاً، تفضل بالدخول، 
  - كلا شكراً، لكني احتاجك في موضوع ما، 
  - ما هو، 
  - ليس على الباب،
  - اريد منك ان تأتي الى شقتي لأخبرك بكل شيء، 
  - الآن انا لا استطيع، لكني سأزورك هذا المساء بأذن الله، 
  - حسناً، سوف انتظرك، لكن ارجو ان لا تنسى، 
  - ان شاء الله، 

وبالفعل كان الشيخ عندي حوالي الساعة التاسعة مساءاً، 
في البداية كنت الف وادور حول الموضوع الاساسي الا انه كان يعرف اني اريد ان اخبره بشيء مهم  فقال لي،
"ادخل في صلب الموضوع وهاتِ ما عندك"

تنهدت قليلاً .... 
بدأت اخبره بمعاناتي وما امر به، لكني لم اتطرق الى موضوع السحر ذاك ابداً، وفي منتصف حديثي طلب مني ان اجلب قدحاً من الماء ففعلت كما طلب، 
امسك القدح بيده وبدأ يقرأ عليه بعض الآيات القرآنية وينفخ في الماء، ثم قال، اشرب منه، 
ارتشفت رشفة واحدة فقط وكان طعم الماء مر و كريه لدرجة لا توصف، 
فقلت له، 
  - ماذا وضعت في الماء، طعمه مر وكريه جداً
نظر الي واصبحت ملامحه حادة جداً وقال، 

  - اخي، انت اما ممسوس او ملبوس من الجن، وانا متأكد من ذلك، 
  - وما الحل يا شيخ حمزة
  - الحل في المسجد، اريدك ان تأتي كل يوم  بعد صلاة العشاء لأبدأ برقيتك ولنرى اين سنصل معك، 
  - هااا المسجد؟!!!! 
  - وما المشكلة في ذلك؟ 
  - لا لا توجد مشكلة، سوف آتي غداً، 

ودعني بعدها بعدة دقائق وذهب الى شقته، 
لا يوجد حل آخر،
فالساحر طردني ولا ينوي لقائي،
لم يسأل اي احدٍ منكم عن ماجد، 
ماجد اختفى فعلياً بعد حادثة الخلوة، 
كل ارقامه مغلقة حتى انه غير محل اقامته ولا اعرف اين ذهب، 
وفي الحقيقة بماذا سيفيدني ماجد في حالتي هذه، 
 يجب ان اذهب الى المسجد، 
 يجب ان اذهب الى المسجد، 
وانا افكر بهذا الامر، بدأت اسمع صوت صراخ في شقتي، 
كل الابواب كانت تفتح وتغلق بقوة، خيالات سوداء كثيرة، فررت من الشقة من شدة الخوف، ليلتها نمت في سيارتي حتى الصباح، 
لم اذهب الى المسجد في اليوم التالي ولا الذي بعده حتى خمسة أيام، 
كان الشيخ يتصل بي ولا اجيبه مع العلم اني انا الذي طلبت مساعدته،
اقسم ان الامر لم يكن بيدي، كلما كنت انوي الذهاب، اصبح كأنني مُنَوَم مغناطيسياً واعود الى فراشي وانام لغاية اليوم التالي،
في احدى الليالي استيقظت لأجد نفسي واقف في الشرفة عند حافتها كأنني احاول ان اقفز، تراجعت فوراً ولا اعلم مالذي اتى بي هنا،
لكني قررت ان اسيطر على نفسي وامسك بزمام الامور هذه المرة، وفعلاً خرجت للشارع متجهاً للمسجد، 
واذا بسيارة مسرعة تصدمني بكل قوتها وتلقي بي على الاسفلت ممدداً لا أشعر بجسمي، 
خرجت هذه السيارة من العدم، فلم تكن موجودة عندما تفحصت الشارع قبل ان اعبر، 
اتصل احد المارة بسيارة الاسعاف وتم نقلي الى المستشفى، كنت قد اصبت بكسور بسيطة في اضلاعي وكسر في رجلي، 
تم تجبيرها وخرجت مع والداي بعد ايام الى بيت اهلي لكي يعتنوا بي، 
لا اعرف كيف نجوت من هذا الحادث، 
هل التفت الي الله اخيراً او ان هذا ما كنت اقنع به نفسي فقط، 
مرت بعدها ثلاثة اسابيع هادئة جداً حتى اني ظننت ان كل شيء قد اختفى وانتهى واني تخلصت من لعنتي، فقررت ان اعود للشقة مجدداً بعد ان شعرت ان وضعي تحسن قليلاً رغم معارضة امي،
في الواقع، لم تكن هذه الاسابيع الثلاثة سوى استراحة مقاتل، 
بدأت الاحلام والاصوات والخيالات من جديد، تخيلوا اني وصلت لمرحلة من اليأس بحيث قررت ان اتكلم معه، 
مع السيد......اقصد الشيطان،
قولوا عني ما شئتم لكني لم املك اية حلول اخرى، 
في تلك الليلة وضعت مرآة كبيرة في الغرفة واطفأت كل الانارة في الشقة، 
اشعلت بعض الشموع السوداء وخلعت جميع ملابسي ووقفت قبالة المرآة وبدأت بقراءة بعض طلاسم الاستحضار التي علمها لي ذاك الساحر الملعون، كتبتها على ورقة عليها  نجاسة و قرأتها لعدة مرات ثم بدأت اتكلم معه،
اظهر الآن... اريدك ان تظهر وتكلمني.... 
اخبرني فقط ماذا تريد مني، لن أَكِلَ او أَمل حتى تظهر لي وتكلمني، 
قرابة الساعتين وانا على هذا الحال حتى توقفت و صرت اصرخ وابكي بكاءاً مريراً، 
لقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء،
اريد ان ارجع لله عسى ان يغفر لي ويرحمني من هذا العذاب،
وفجأة تحولت صورتي في المرآة، تحول وجهي الى شيء بشع جداً، وجه كأنه خرج من قلب جهنم، كان هذا الوجه ينظر الي بعينين غاضبتين، وجسمي صار يؤلمني كأنني طُعِنتُ بالف سكين، بدأت اتحسس وجهي واصرخ من الالم،
لم اشعر بنفسي حتى وقعت على الارض واغمي عليّ، 
احسست بعدها بوجودي على فراش، فتحت عيني ووجدت نفسي على سريري يجلس عندي الشيخ حمزة وشخص آخر لا اعرفه،

قلت بصوت منخفض، 
  - كيف دخلتم الى هنا، 
فأجاب الشيخ حمزة، 
  - لقد سمعت صراخك وعرفت ان مكروها اصابك، حاولت ان افتح الباب لكني لم استطع لذلك كسرتها ودخلت ووجدتك على ماكنت عليه، انك تعرف عن ماذا اتحدث، فالموضوع واضح جداً، يبدو انك ادخلت نفسك في مأزق كبير، 

بدأت ابكي بحرقة وندم فوضع رأسه على يدي وقال، 
لا تخف يا أخي، سننقذك مما زججت نفسك فيه بأذن الله ولوجهه فقط، فالله قادر على كل شيء، وعسى ان يغفر لك ويتوب عليك بعدها، 
اذا اردتم رأيي، لم اسمع في حياتي كلها اطيب واحن من هذه الكلمات التي قالها،

لثلاثة ايام متواصلة كانو يتناوبون على رقيتي وقراءة القرآن عليّ، حتى ان الشيخ حمزة كلف شخصاً اخر ليحل محله في المسجد،
أتدرون امراً؟ بالتأكيد ان الله ينظر الى قلوبنا، فلو نظر الى اعمالنا فقط لهلكنا، ربما علم اني نادم من اعماقي واريد التوبة والخلاص فسخر لي هذا الملاك البشري لأنقاذي،
فلم يكن لي منقذ سواه، 

ثلاثة ايام بلا كلل ولا ملل، كان يغمى علي في اكثر المرات، وعلمت من الشيخ حمزة فيما بعد انهم كانو يتحدثون مع الشيطان الذي يتلبسني في هذا الوقت ويحاولون اخراجه مني بصعوبة فقد كان مارداً قوياً على حد قوله، 
انتهى كل شيء بعد الليلة الثالثة، بعد عناء طويل، خرج ذلك الملعون وتركني بفضل الله، 

لا توجد كلمات يمكنها ان تفي حق الشيخ حمزة ورفيقه، الا اني احتسب اجرهم على الله فهو وحده من سيجزيهم، 

تركت الشقة بعدها ورجعت لأسكن مع اهلي،
تغيرت حياتي بالكامل من زنديق كافر مشرك بالله لم يتوانى عن معصيته الى .....
الى انسان مختلف كلياً، 

لم اترك فرضاً من يومها، وانا الآن من حفظة القرآن الكريم، اما الشيخ حمزة فهو اعز اصدقائي لغاية اليوم، 

كما اخبرتكم سابقاً في بداية القصة، هنالك نوعان من الشياطين، شياطين الانس وشياطين الجن، 
لقد كنت شيطاناً بكل ما للكلمة من معنى الا ان رحمة ربي وسعت كل شيء، فلا تجزعوا منها ابداً....
 

تمت....



وضع القراءة :
حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-